“أيام قرطاج السينمائية”…نصف قرن من السينما العربية والإفريقية

افتتحت فعالياته بفيلم “زهرة حلب”

“أيام قرطاج السينمائية”…نصف قرن من السينما العربية والإفريقية

 

انطلقت بالعاصمة التونسية أمسية الجمعة بقاعة قصر المؤتمرات، فعاليات الدورة ال27 لمهرجان أيام قرطاج السينمائية التي تطفئ هذا العام شمعتها الخمسين. وتتميز هذه الدورة السابعة والعشرين بحضور عربي وأفريقي واسع، أين كرمت الدورة المتوجين بالتانيت الذهبي على مدار نصف قرن.

 

من تونس نبيل حاجي ( مراسلة خاصة)

 

وتم اختيار الفيلم التونسي “زهرة حلب” للمخرج رضا الباهي لافتتاح الأيام، في رسالة من القائمين عليها للشباب التونسي الذي يعد الأول عددا في  تصدير الجهاديين نحو سوريا والعراق في السنوات الأخيرة.

ويحكي الفيلم قصة عائلة تونسية كثرت مثيلاتها في المجتمع التونسي اليوم، انقطعت أوصالها عندما ضاع أحد أبنائها في مخالب الأصولية والإرهاب… وبين الأم المطلقة والمناضلة سلمى، التي أدت دورها هند صبري، والأب الفنان هشام رستم الذي يعيش الفن بتحدياته، يضيع ابنهما الوحيد مراد ( 17 سنة) في دوامة المشاكل العائلية التي دفعته إلى الابتعاد عن الدراسة وكل ما يربطه بالمجتمع واللجوء إلى مجموعة سلفية قبل اختفائه تماما والتحاقه بالجهاديين في سوريا.

و ستعيش العاصمة تونس وعدد من المدن القريبة بقاعاتها الى غاية الخامس من نوفمبر الجاري على وقع أيام قرطاج السينمائية التي بدأت رحلتها قبل نصف قرن وتطفئ شمعتها الخمسين هذا العام، وتزدحم قاعات العاصمة بعدد كبير من الجماهير وخاصة منها الشابة لمتابعة العديد من الأفلام والأقسام التنافسية والموازية..

ويتنافس في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة في هذه الدورة السابعة والعشرين، 18 فيلما، أربع منها تونسية وهي “زينب تكره الثلج” لكوثر بن هنية في عرضه العربي والأفريقي الأول، و “تالة مون أمور” لمهدي هميلي، “شوف” لكريم دريدي الذي كانت له مشاركة في الدورة التاسعة والستين لمهرجان كان السينمائي ضمن قسم حصص خاصة، وفيلم “غدوى خير” للطفي عاشور. كما تشارك فلسطين لأول مرة بفيلمين هما “3000 ليلة” لمي المصري والمدينة لعمر الشرقاوي.

كما تشهد الأقسام الموازية تقديما لبانوراما عن السينما التونسية ونظرات على سينما العالم، وأخرى عن السينما الآسيوية والروسية وصور عفوية من أفريقيا وسينما مباشرة ستتضمن عرض أربع أفلام فرنسية قديمة ( حوادث متفرّقة والتلبس لريمون دوباردون، إخبارية الصيف لجان روش وادقار موتان وأنا الأسود لجان روش).

مهرجان أيام قرطاج السينمائية الذي يعد التظاهرة لأكبر سينمائيا في تونس والأقدم في القارة الأفريقية، حيث تأسست عام 1966 على يد الفقيد الطاهر الشريعة وثلة من السينمائيين ، يقول عنه مدير الدور الحالية إبراهيم اللطيف بأن أيام قرطاج السينمائية “لعبت دورا كبيرا في بناء تونس العصرية وساهمت بشكل كبير في دعم المواهب الشابة وتطوير الذائقة السينمائية عند الجمهور التونسي ملتزمة بهموم المجتمع التونسي والعربي والأفريقي” مؤكدا بأنها “صارت الموعد الذي تحولت فيه الأفلام إلى مرآة تعكس اهتمامات المخرجين، والفضاء الذي يجمع صناع السينما ويفضي إلى اتفاقيات مهمة بين مختلف الفاعلين فيها”.

وكرمت الخمسينية هذا العام، في حفل الإفتتاح الناقد والمخرج السينمائي فريد بوغدير على عطائه في مجال السينما، حيث عايش الأيام السينمائية منذ ولادتها قبل نصف قرن وتمكن بنظرة سينمائية، وبأسلوب هزلي أحيانا وبلغة شاعرية أحيانا أخرى من تصوير واقع يعيشه التونسيون وقد لا ينتبهون إلى جمالياته.

وسيعرض للمخرج المحتفى به فيلمه الأخير “زيزو” على هامش الأيام السينمائية. ويتناول الفيلم قصة شاب تونسي يعاني من البطالة فيهجر قريته الصحراوية، و ينتقل إلى العاصمة بحثا عن عمل فيصطدم بواقع مليء بالتناقضات.  يتعايش هذا الشاب في الفيلم مع الفقراء والأغنياء، المحافظين والعلمانيين، مساندي النظام المستبد والإسلاميين المتعصبين…وهي صورة  لواقع تونس اليوم وما شهدته من تغيرات أحدثتها الثورة والحكومات المتعاقبة على الحكم.

 

مسابقات وتكريم

وتستمر دورة المهرجان هذا العام لغاية الخامس من نوفمبر ، وتتوزع المنافسة خلالها على قسمين رئيسيين هما “الأفلام الطويلة” و”الأفلام القصيرة”. ويحصل الفيلم الأول من كل مسابقة على جائزة التانيت الذهبي، وهو عبارة عن مجسم لآلهة قرطاجية فينيقية الأصل، اعتبرها سكان قرطاج حامية للمدينة.

كما يشهد المهرجان مسابقة في قسم “السينما الواعدة”، إضافة إلى قسم “العمل الأول” وهو مسابقة خاصة بتكريم الطاهر شريعة مؤسس المهرجان. وتشارك في المنافسة أفلام من مصر وسوريا ولبنان والجزائر والمغرب والسعودية والعراق وإثيوبيا وأوغندا ومدغشقر وجنوب أفريقيا.

ويكرم المهرجان في دورته الحالية المخرج المصري الراحل يوسف شاهين والمخرج السنغالي جبيرل ديوب مامبيتي والمخرج الراحل إدريسا وادراجو من بوركينا فاسو. كما يكرم مجموعة من السينمائيين التونسيين الذين رحلوا على مدى العام الماضي من أبرزهم المخرجة كلثوم برناز.

وتقام على الهامش ندوات تناقش أساليب المحافظة على الموروث السينمائي العربي والأفريقي وأساليب ترميم الأفلام وحفظها.

 

عن الحضور الجزائر في الأيام

في سابقة غريبة منوعها تغيب الجزائر عن الدورة الخمسينية بشكل ملفت مثلما دأبت على حضورها القوي والوازن في الدورات السابقة، في الدورة الـ27 للأيام تحضر الجزائر من خلال فيلمين فقط ضمن قسم العمل الأول ويتعلق ألمر بفيلم سالم إبراهيمي ” ألآن بإمكانهم المجي” المتوج مؤخرا في الدورة الثانية لمهرجان عنابة للفيلم المتوسطي، وفيلم في سني أختبئ لأدخن للممثلة والمخرجة ريحانة، كما تحضر الجزائر في شخص المخرجة الجزائرية يمينة شويخ في لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الطويلة.

هذا الحضور المحتشم للجزائر في هذا المهرجان بالذات يحمل الكثير من الأسئلة أولا عن المنجز السينمائي خلال السنوات الأخيرة، ونوعية الأفلام المحققة في بلادنا،وأيضا عن الخيارات الصحبة التي يوضع فيها منظمي المهرجانات السينمائية المنطقة خاصة..وهو ما يدفع بالنظر إلى هذه الزوايا من الوضع الراهن الذي تعرفه الحياة السينمائية في الجزائر حاضرا ومستقبلا.

 

فيلم “”أوغسطينوس… ابن دموعها”

من العروض الخاصة التي تابعتها اليوم في اليوم الثاني من عمر المهرجان هو فيلم”القديس أوغستين” أو “أوغسطينوس… ابن دموعها” في عرضه العالمي الأول الذي احتضنته “ريو” في تونس العاصمة وغصت الجماهير لمتابعة هذا العمل الذي هو إنتاج جزائري تونسي مشترك ومن توقيع المخرج المصري سمير سيف، وأدى بطولته إلى جانب نخبة من الممثلين التونسيين كل من الممثلة الكبيرة بهية راشدي والممثل عماد بن شني من الجزائر .

وتميز هذا العمل العربي الأول حول شخصية حياة القديس أوغستين (354م – 430م)، ودام عرضه ساعتين من الزمن بمقاربة جميلة مزجت بين الحاضر والماضي حول وعن هذه الشخصية الجدلية في الفكر الكنسي والمسحي عموما ، حيث عمد المخرج إلى تقديم قصة موازية بين رحلة المخرج والصحفي هادي ( عماد بن شني) لتحقيق فيلم وثائقي عن أوغستين وبين حياة ومسار هذه الشخصية في كل من مادور وطاغست وقرطاج وروما وميلانو وأخيرا هيبون في ذلك العصر.

الفيلم قدم بلغة عربية فصيحة وصور في أكثر من موقع وحاول أن يكون وفيا لمسيرة هذا الرجل المفكر والفيلسوف وكل التحولات التي طرأت على نظرته للدين، ونلمس في هذا العمل الذي ساهمت الجزائر في إنتاجه من خلال دعم وزارة الثقافة ثم بدعم من تظاهرة قسنطينة عاصمة للثقافة العربية  2015، أن يكون قريبا من مؤله الشهير ” الإعترافات” الذي ترجم فيه ليس سيرته الذاتية فقط وأنما نظرته للدين المسيحي وكل التيارات الفكرية التي كانت سائدة في العهد الروماني.

وبدا فيلم “أوغسطينوس… ابن دموعها” مثقلا بزخم هذه الشخصية التاريخية وبالكم الكبير من المعلومات ابتدأ من طفولة أوغستين في طاغست ( سوق أهراس حاليا) وشبابه وكبره وتنقله من مادور ( مدوروش حاليا) ثم قرطاج ( تونس) وروما …وكل هذه المسيرة الطويلو من حياة هذا العلامة جعات فيلم سمير سيف يثير الطثير من الرتابة في القاعة وهي تتابع حيثيات العمل وتطوره التاريخي وبنائه الفني وهو يحاكي شخصية جدلية في تاريخ الفكر المسيحي ماضيا وحاضرا.

ن.ح

كل الحقوق محفوظة 2014 © جريدة اليوم - إخبارية وطنية